هكذا أحيت الفرقة الكوبية سهرتها ضمن فعاليات الدورة 60 لمهرجان الحمامات الدولي (11 جويلية - 13 أوت 2026) تحت شعار "ذاكرة تعيش"، في عرض أقيم أمام شبابيك مغلقة. وقد أثبتت أن الموسيقى التي حافظت على حضورها عبر الأجيال ما تزال قادرة على استقطاب جمهور جديد في كل محطة تصل إليها.
ومنذ الدقائق الأولى للعرض، بدا واضحا أن الحفل لا يقتصر على تقديم برنامج موسيقي بقدر ما يستحضر تاريخا كاملا من الأغاني والإيقاعات التي خرجت من أحياء هافانا القديمة قبل عقود وما تزال تجد اليوم مستمعين جددا في مختلف أنحاء العالم. وهذه الفرقة تواصل المسار الذي بدأه مشروع "بوينا فيستا سوشيال كلوب" في تسعينيات القرن الماضي، حين أعاد مجموعة من الموسيقيين الكوبيين الاعتبار للموسيقى التقليدية بعد سنوات من تراجع حضورها، لتتحول لاحقا إلى واحدة من أكثر التجارب تأثيرا في التعريف بالتراث الموسيقي الكوبي .
وقاد التشكيلة الحالية على الركح عازف الكمان الكوبي "رولاندو موريخون رييس"، إلى جانب موسيقيين تعاون عدد منهم مع أسماء بارزة مثل "أومارا بورتواندو" و"سيليا كروز" و"تشوتشو فالديس" و"ويلي كولون"، محافظين على روح المشروع الأصلي مع تقديمها إلى جمهور جديد.
وقبل أن تعلو أولى الأنغام والإيقاعات، تقدم منتج الفرقة "ستيفن ميشات" إلى مقدمة الركح موجها كلمة قصيرة إلى الجمهور. تحدث عن سعادته بوجود هذه المجموعة الموسيقية في تونس واستعاد بإعجاب ما قرأه عن تاريخها متوقفا عند قرطاج وحنبعل. ثم انتقل إلى الحديث عن الموسيقى نفسها، معتبرا أنها ثمرة لقاء ثقافات عبرت البحار حيث امتزج الإرث الإفريقي بالتقاليد الأوروبية في كوبا، لتولد أنماط موسيقية أصبحت لاحقا من أبرز ملامح الموسيقى اللاتينية قبل أن تعود اليوم إلى الضفة الجنوبية للمتوسط.
ولم يكن ذلك التقديم بعيدا عما سيعيشه الجمهور بعد دقائق. فقد حمل البرنامج خلاصة لهذا التداخل الثقافي من خلال مقاطع موسيقية جمعت بين السون الكوبي والبوليرو والدانثون والتشا تشا تشا، وهي أنماط تشكل العمود الفقري للموسيقى التقليدية في كوبا وتجمع بين الجذور الإفريقية والألحان الإسبانية في بناء موسيقي ظل حاضرا لأكثر من قرن.
واعتمدت الفرقة على تشكيل أوركسترالي حافظ على هوية هذا التراث، فبرزت آلة "التريس" وهي آلة موسيقية وترية تقليدية تشبه الغيتار وتُعد الآلة الوطنية لدولة كوبا، إلى جانب البيانو وآلات نفخية نحاسية، بينما تولت الكونغا (آلة إيقاعية أفرو-كوبية طويلة) والماراكاس (آلة إيقاعية موسيقية تُعرف بالشخشيخة) والكلافيس والتيبماليس رسم الإيقاع. كما أتاحت مساحات الارتجال لكل عازف فرصة إبراز خصوصية آلته وهو تقليد راسخ في الموسيقى الكوبية يقوم على الحوار المستمر بين أفراد الفرقة.
أما الغناء، فجاء على طريقة النداء والجواب بين المغني الرئيسي والكورال، وهي صيغة تمنح الجمهور فرصة المشاركة. فقد كان الإيقاع كافيا لإلغاء المسافة بين اللغة والمتلقي وتحولت المدارج تدريجيا إلى جزء من العرض بالتصفيق والرقص ومجاراة الإيقاعات.
وتدور أغاني هذا التراث حول مواضيع بسيطة وقريبة من الحياة اليومية مثل الحب والحنين والرقص والاحتفاء بالمدينة والناس، مع حضور دائم لفكرة التمسك بالموسيقى باعتبارها ذاكرة جماعية ووسيلة لمواجهة صعوبات الحياة.
ولعل أكثر ما ميز سهرة الحمامات هو أن الرقص لم يكن فقرة منفصلة داخل الحفل وإنما كان امتدادا طبيعيا للموسيقى نفسها، فقد ظل الإيقاع ثابتا وواضحا كما أراده صناع هذا اللون الموسيقي منذ نشأته ليبقى قابلا للرقص.
وفي نهاية السهرة، غادرت الفرقة خشبة المسرح بعد آخر مقطوعة لكن الجمهور لم يتعامل مع تلك التحية على أنها الوداع الأخير. لقد تواصل التصفيق وتعالت الهتافات بإيقاع جماعي مطالبة بعودة الموسيقيين. ولم يطل الانتظار حتى عاد أعضاء الفرقة إلى الركح وسط تفاعل الحاضرين. وما إن قال عازف الكمان رولاندو موريخون رييس "Listen" حتى دوّت الموسيقى من جديد لتشعل المسرح وتحولت معها الدقائق الأخيرة إلى احتفال جماعي بالموسيقى والرقص.
وكان ذلك الختام امتدادا طبيعيا لسهرة أعادت التأكيد على أن الموسيقى التي خرجت من شوارع هافانا قبل عقود ما تزال قادرة على جمع جمهور من ثقافات مختلفة حول الإيقاع نفسه. وبين كوبا والحمامات بدت المسافة أقصر مما توحي به الخريطة، لأن ما عبر البحر في تلك الليلة لم يكن الأغاني وحدها وإنما ذاكرة موسيقية لا تزال تجد من يعزفها ومن يصغي إليها.
Arabic (اللغة العربية)
English (United Kingdom)

