من هذا المنطلق، يكتسي عرض الفنان التونسي نوردو، مساء الثلاثاء 21 يوليو 2026، ضمن الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، أهميته الاستثنائية. إنها لحظة فاصلة في مسيرته، واختبار جديد لتجربة تشكلت خارج القوالب التقليدية لصناعة الأغنية، لكنها اختارت، في محطتها الأبرز، أن تواجه الجمهور في أعرق فضاءات الفن في تونس.
دخل نوردو ركح قرطاج للمرة الأولى، مصحوبًا بالفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو يوسف بالهاني، في خطوة تعكس نضجًا فنيًا ورغبة صادقة في تقديم مشروعه الموسيقي بصيغة مغايرة تمامًا لما اعتاد عليه جمهوره في المهرجانات والحفلات الشبابية. فالتوزيعات الأوركسترالية، التي اعتمدها العرض، منحت أغانيه أفقًا موسيقيًا أوسع، ونسجت حولها هالة من الجلال، لتنسجم مع خصوصية مسرح يشهد، منذ ستة عقود، على عبور كبار صنّاع الأغنية العربية والتونسية.
في السنوات الأخيرة، استطاع نوردو أن يفرض نفسه كواحد من أبرز وجوه الموسيقى الشبابية في تونس. تجربته قامت على مزج الراب بالأغنية الحديثة، مع منح مساحة واضحة للحن والعاطفة، فبدت أغانيه أقرب إلى حكايات يومية تتقاطع مع مشاعر جيل كامل. هذا ما يفسر الانتشار الواسع الذي حققته أعماله على مختلف المنصات، حيث تجاوزت أغان مثل "يا دنيا" و"عربوش" و"الأيام" ملايين الاستماعات والمشاهدات، ورسخت حضوره داخل تونس وخارجها، وأثبتت قدرته على مخاطبة جمهور ينتمي إلى أذواق موسيقية متعددة.
لكن خصوصية عرض قرطاج تكمن في الرهان الأكبر: تحويل أغنيات وُلِدت في فضاء المنصات الرقمية إلى تجربة حية تستند إلى الأداء المباشر والتوزيع الأوركسترالي. وهذا ما وضع الفنان أمام تحدٍ مختلف، ليس فقط من حيث الأداء الصوتي، بل في طريقة إعادة تخيل الأغاني ذاتها لتتنفس في فضاء مفتوح، بعيدًا عن عزلة سماعات الرأس.
وقد جاء البرنامج متكاملاً، معتمدًا على سينوغرافيا حركية تتداخل فيها الموسيقى مع الرقص والعروض البصرية. استهل نوردو السهرة بأغنية "عربوش" التي رافقتها لوحات راقصة، قبل أن ينتقل إلى "تربيت" التي توجت بصولو طويل لآلات الإيقاع، في إشارة إلى الحضور القوي للإيقاع داخل البناء الموسيقي للعرض. وتوالت الأغاني: "غريبة"، "أنا والليل"، و"يا دنيا"، وهي من الأعمال التي صنعت جزءًا من هوية نوردو الفنية، قبل أن تعود الأجواء الاحتفالية مع "La Mama" و"عايش ليلي" المصحوبتين بلوحات راقصة، في تأكيد واضح على الرهان على عنصر الفرجة.
ومع تواتر الأغاني، تشكلت الرؤية البصرية تباعًا: رافقت أغنية "مكتوب" رقصة معاصرة، بينما استلهمت "عابر سبيل" رقصة الدبكة، في انفتاح على أنماط تعبيرية مختلفة منحت كل أغنية عالمها الخاص. لم يكن الحفل مجرد سهرة غنائية، بل تجربة ركحية متكاملة، حيث التفّت العناصر البصرية والحركية حول الصوت لتخلق كيانًا واحدًا.
واستقبل نوردو خلال الحفل الفنانة رحمة محسن، وقدما معًا أغنية "من يومين"، قبل أن يشهد العرض تغييرًا في الأزياء يواكب انتقاله إلى فصل جديد من السهرة، تضمّن أغنيات "وليدي" و"أنا وياك"، التي تخللتها لوحات راقصة شارك فيها أطفال ومراهقون من مختلف الأعمار، في مشهد احتفى بتعدد الأجيال، وكأن نوردو يوجه رسالة ضمنية: موسيقاه ليست حكرًا على الشباب، بل هي جسر يصل الماضي بالمستقبل.
قبل أغنية "Amore Mio"، صدحت نغمات الفلامنكو، وتماهت الموسيقى المتوسطية مع الخطوات الراقصة، ليستقبل بعدها الفنان أحمد زعيم لتقديم أغنية "يا عراف"، إحدى أبرز محطات السهرة، والتي تحظى بمكانة خاصة لدى جمهور نوردو. وعُرضت كلمات الأغنية على الشاشة لخلق تفاعل أكبر مع الحاضرين، فتحولت السهرة إلى جلسة إنشاد جماعي.
وبنسق تصاعدي، استمر العرض عبر أغاني "وحش كلاني"، "ليام"، و"ويلي" التي تعالت معها إيقاعات السطمبالي والقناوة، في استحضار لأحد المكونات الموسيقية التونسية ذات الجذور الإفريقية. وعلى إيقاع أغنية "حالي"، تبدّت مؤثرات بصرية مهدت لعزف منفرد لإيقاعات إفريقية، بلغ معها العرض ذروته، قبل أن يقدم نوردو أغنية "بلا بيك"، ويختتم السهرة بوصلة رقص أفرو-هاوس، تؤكد مرة أخرى انفتاح مشروعه الموسيقي على أنماط عالمية، دون التخلي عن ملامحه المحلية.
شكّل عرض الفنان نوردو توليفة متكاملة، استندت إلى تنوع الإيقاعات والرقصات والضيوف والتوزيعات الموسيقية، في محاولة لتحويل لقائه بجمهور قرطاج إلى تجربة فنية تجمع بين نجاحاته الفنية والجماهيرية، ورؤية ركحية تستجيب لخصوصية المسرح الأثري. لقد أثبت نوردو أن النجاح الرقمي، مهما كان ضخمًا، لا يغني عن اختبار المسرح، وأن التحول من السماعات إلى الخشبة هو رحلة تحوّل حقيقية، حيث تلتقي الفردية بالجماعة، وتصبح الأغنية ملكًا للحاضرين جميعًا.
Arabic (اللغة العربية)
English (United Kingdom)

