الحرية وسط القيود: من العالم الداخلي لمحمد سعيد الضنحاني

سيماء المزوغي

يسير محمد سعيد الضنحاني بين عالمين يلتقيان أحيانًا ويتقاطعان أحيانًا أخرى. في أحدهما، نرى المؤسسات، الملفات، الاجتماعات، ودائرة المسؤوليات اليومية التي تتطلب منه ترتيب الأفكار ودقة القرارات، إذ يفرض هذا العالم عليه الانضباط والهدوء، ويزرع فيه صبرًا صامتًا على التفاصيل الصغيرة التي تشكل الصورة الكبيرة. وفي العالم الآخر، نرى الكلمة، المسرح، النصوص الرمزية التي تغوص في أغوار النفس البشرية، وتستكشف الخوف والفضول والرغبة في البحث عن المعنى. هناك، يجد مساحة للتجريب، وللخيال الذي يحرره من مسارات الواقع، وللصمت الذي يصبح حوارًا داخليًا عميقًا. فالحياة بالنسبة له تغدو مساحة واسعة تتسع لكل هذا، مساحة يمكن أن يتحرك فيها بين الواقع والخيال بسهولة، وكل خطوة في هذا المسار تحمل إحساسًا بالاكتمال، وكل تجربة تضيف لونًا جديدًا إلى فهمه لنفسه وللعالم من حوله.

كانت طفولته مليئة بالحركة واللعب الذي كان ممارسة للوعي والاكتشاف. وعلى أرصفة الفجيرة وشوارعها، كان يلعب أدوارًا مع أصدقائه، يتقمص شخصيات مختلفة ومتنوعة، ويختبر حدود نفسه وحدود الآخرين، فكل موقف صغير يحمل درسًا في الملاحظة، في فهم الناس، وفي التعرف على اختلافاتهم.. هذه اللحظات المبكرة رسمت طريقه نحو الكتابة والمسرح، حيث تصبح الشخصيات رموزًا للتناقضات الإنسانية،  والبحث عن الذات. فكل ضحكة، كل صرخة، وكل لعبة تحمل في طياتها مفتاحًا لفهم العالم وفهم ذاته، مهدت الطريق لعلاقة عميقة بالكلمة.. ما جعل التجربة المبكرة نقف أمام الحياة بعينين متفحصة، وقلب مفتوح، وروح ترفض الانغلاق.

كبر وسط مجتمع يحترم التقاليد ويرتبط بالقيم الاجتماعية، غير أنه شهد موجة من التحولات الثقافية والاجتماعية التي أعطت الحياة ألوانًا جديدة، ما أتاح لها مساحة للتفكير في التناقضات بين الواجب والحرية، بين الصمت والكلمة، بين الفرد والمجتمع، حيث عكست النصوص المسرحية التي كتبها هذه التناقضات، إذ جسدت الشخصيات في لحظات دقيقة، في حالات تأمل، وأضافت كل تجربة اجتماعية، وكل حديث، وكل مواجهة مع الاختلافات، عمقًا لرؤيته وأثرت في تشكيل شخصياته الأدبية.. وكانت الحياة بالنسبة له سلسلة من اللقاءات والدروس، تنسج خيوطها بين التقليد والتغيير، بين الواقع والخيال، فتتولد نصوص تمزج الصدق بالملاحظة، والحس بالخيال، لتصبح مرآة صافية للنفس البشرية.

أما في عالم الإدارة، ينجز الضنحاني أعماله بعناية، يوازن بين التفاصيل الكبيرة والصغيرة، يدير المشاريع والفعاليات بحس دقيق ووعي كامل. لكنه لا يكتفي بالجانب الرسمي، إنما  يرى الثقافة والفن كمساحة يمكن أن تنمو فيها الأفكار، تتحرك فيها الكلمة، وتجد الحرية طريقها إلى الجمهور. القدرة على الجمع بين الانضباط والإبداع تمنحه بعدًا فريدًا في العمل، حيث تتحول المسؤولية إلى أداة للتأثير، والإدارة إلى تجربة حياة، والفعل الرسمي إلى مساحة للتفكير والمبادرة.

النصوص المسرحية والكتابات الرمزية تحمل بصمته بوضوح. الشخصيات تتحدث بلغة الإنسان الذي يعيش تناقضات متعددة: الخوف والجرأة، الصمت والكلمة، الفضول والرغبة في التغيير. كل نص يصبح مساحة للتأمل، دعوة لمواجهة الذات، للبحث عن المعنى في تفاصيل الحياة اليومية، في المواقف الصغيرة، في الحكايات التي تحيط بالإنسان من كل جانب. الكتابة بالنسبة له تجربة وجودية، رؤية للعالم، وسؤال مستمر عن الإنسان ومكانه في الحياة. في النصوص، تتلاقى الأحاسيس مع الملاحظة، وتتشابك اللحظات العابرة مع الانفعال العميق، فتتشكل طبقات من الفهم العاطفي والفكري في آن واحد.

وجوده في موقع السلطة ومعه عمله الأدبي يجعل منه جسرًا بين عالمين. عالم المؤسسات يطلب النظام والترتيب، وعالم الفن يطلب الحرية والتأمل والفضول. الضنحاني يتحرك في هذا الجسر، يوازن بينهما بطريقة تجعل كل منهما يغذي الآخر. المؤسسات تصبح مسرحًا للفكر والإبداع، والفن يتحول إلى تجربة للوعي وفهم الحياة من منظور أوسع. في كل اجتماع، وفي كل نص مكتوب، هناك حوار خفي بين الواجب والخيال، بين الالتزام والرغبة في التحرر، فتتشكل مساحة تتنفس فيها كل تجربة، كل فكرة، وكل لحظة.

محمد سعيد الضنحاني شاعر بالوجود، يقرأ العالم كأنه نص مسرحي مكتوب بحبر غير مرئي. يلاحظ تفاصيل الناس، صمتهم، خوفهم، رغباتهم الصغيرة، ويضع كل ذلك في نصوصه أو في تنظيم فعاليات ثقافية تجعل الجمهور يواجه نفسه، يتساءل، يتأمل، ويبحث عن فهم أعمق لما حوله. الكتابة والمسرح أدوات لاكتشاف الذات والعالم معًا، مساحات يلتقي فيها الواقع بالخيال، والواجب بالحرية، والكلمة بالصمت. تتشابك المشاهد اليومية مع العاطفة الداخلية لتصنع نصوصًا حية، تنقل حضور الإنسان في كل تفاصيله.

تمثل حياته حالة متكاملة من الوعي والتجربة الإنسانية، العقل والمنطق، الإحساس والخيال، المسؤولية والحرية، وكلها عناصر تتداخل في شخصيته، وتشكل رؤية للإنسان والحياة قائمة على الملاحظة والفهم والتأمل. فالشخص الذي يقف على هذا التقاطع يصبح قادرًا على قراءة العالم بعمق، ةتحويل التجربة اليومية إلى رؤية، وجعل كل فعل صغير أو كبير مساحة للتفكير والإبداع. فكل لحظة من العمل، وكل لقاء مع نص، تضيف طبقة جديدة على فهمه للإنسان والوجود.

محمد سعيد الضنحاني شخصية  تحمل في عمقها الصراع والجمال، القدرة على الملاحظة والتأمل، الجمع بين التناقضات، وصناعة مساحات حرية وسط قيود الواقع. الشخصيات التي يخلقها، النصوص التي يكتبها، المشاريع التي يقودها، تعكس رحلته في فهم الإنسان، المجتمع، والوجود، وتجعل منه مثالًا على الدمج بين العقل والروح، بين العمل والفن، بين الانضباط والخيال، وبين الحاضر والمستقبل. في كل صفحة، يتجلى عالمه الداخلي، حيث يتحول الواقع إلى مصدر إلهام، والفن إلى وسيلة لفهم الحياة بكل عمقها وتعقيداتها.

Sat Lights

شارك في نشرتنا الاخبارية واحصل على صور حصرية & ورسالتين اخباريتين كل شهر