سيماء المزوغي
يُقرأ ملتقى الفجيرة الإعلامي، وخصوصًا دورته الحالية التي تقام في فبراير 2025 والموسومة بـ«الإعلام الجديد… أقنعة الحقيقة»، باعتباره ممارسة فكرية واعية تتجاوز إطار الفعاليات المهنية المعتادة. الملتقى يتحوّل إلى مساحة تأمّل جماعي في طبيعة المعرفة، وفي الكيفية التي تتشكّل بها الحقيقة داخل منظومات إعلامية معقّدة. السؤال المركزي هنا لا يتمحور حول حجم المعلومات المتداولة، بل حول آليات إنتاجها، ومسارات تصديقها، والقوى التي تمنحها شرعيتها.
وتطرح هذه الدورة الإعلام الجديد بوصفه بنية حيّة، متداخلة، تتغذّى من التطور التكنولوجي، وتتشكل داخل السياقات السياسية والاقتصادية، وتؤثّر مباشرة في الوعي الفردي والجماعي.. مفهوم «أقنعة الحقيقة» يعبّر عن واقع إعلامي تُصاغ فيه الوقائع داخل قوالب سردية متعدّدة، تُنتقى عناصرها بعناية، وتُعاد صياغتها وفق منطق التأثير. القناع، في هذا السياق، يصبح شكلًا من أشكال العرض، حيث تُقدَّم الحقيقة ضمن طبقات من التفسير والانتقاء والترتيب.
وينقل الملتقى النقاش من مستوى الخبر بوصفه معلومة، إلى مستوى الخبر بوصفه تجربة معرفية ونفسية. تُناقَش الخوارزميات باعتبارها فاعلًا أساسيًا في تشكيل الرأي العام، وتُدرَس المنصّات الرقمية كأنظمة دقيقة لإدارة الانتباه، وتُحلَّل الصورة الحديثة بوصفها خطابًا بصريًا قادرًا على الإقناع وإعادة البناء. هذه المقاربة تضع الإعلام في قلب التحوّلات التي يعيشها الإنسان المعاصر في علاقته بالواقع.
ويتميّز الطرح الفكري في هذه الدورة بقدرته على التعامل مع التحوّل الإعلامي بوصفه حقيقة بنيوية تستدعي الفهم والتفكيك وإعادة البناء. المصداقية هنا تُطرَح كمنهج عمل، والمسؤولية تُناقَش كخيار مهني وأخلاقي، والمعايير تُصاغ انطلاقًا من وعي جديد بطبيعة الوسيط وتأثيره. بهذا المعنى، يصبح النقاش حول الإعلام الجديد نقاشًا حول الإنسان نفسه، وحدود وعيه، وقدرته على التمييز.
ويتّصل هذا العمق مباشرة بالرؤية المؤسسة لملتقى الفجيرة الإعلامي منذ انطلاقه عام 2010. المسار التاريخي للملتقى يكشف عن تراكم فكري متدرّج، بدأ بأسئلة الإعلام والشباب، ومرّ باللغة، والتضليل، والمرأة، والتنوير، ثم الإعلام الموازي، ليصل اليوم إلى تفكيك مفهوم الحقيقة ذاته. هذا المسار يعكس وعيًا يرى الإعلام قضية مجتمعية شاملة، لا تخصّ المهنيين وحدهم، بل تمسّ البنية الثقافية والمعرفية للمجتمع.
وفي هذا الإطار، تتجلّى الرعاية المتواصلة لصاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الفجيرة، بوصفها رعاية فكرية بعيدة المدى. هذه الرعاية تتجسّد في استمرارية المشروع، وفي اختيار العناوين الإشكالية، وفي الإيمان بدور الإعلام كقوة وعي ومسؤولية. المبادرة هنا تنبع من إدراك عميق بأن الإعلام، حين يُدار بعقل نقدي، يصبح عنصر توازن في المجتمع.
إنّ اختيار إمارة الفجيرة مركزًا لهذا الملتقى يضيف بعدًا رمزيًا بالغ الدلالة. الفجيرة تقدّم نموذجًا للتراكم الهادئ، حيث يُبنى التأثير عبر الاستمرارية، ويُنتج العمق بعيدًا عن الضجيج. في هذا الفضاء، يلتقي صُنّاع القرار بالممارسين، والخبراء بالشباب، ضمن حوار مفتوح قوامه السؤال المشترك لا الموقع الوظيفي.
بهذا الاتجاه، يرسّخ ملتقى الفجيرة الإعلامي، في دورته الحالية، موقعه كمرجع فكري في النقاش الإعلامي العربي. قيمته تنبع من قدرته على إعادة الإعلام إلى جوهره الإنساني: فعل معرفة، وفعل تأثير، وفعل مسؤولية. وفي زمن تتكاثر فيه المنصّات وتتزاحم السرديات، يقدّم الملتقى مساحة تفكير هادئة تُسهم في تفكيك الأقنعة، وفهم آليات تشكّل الحقيقة، وبناء وعي إعلامي أكثر عمقًا وصلابة.
Arabic (اللغة العربية)
English (United Kingdom)

