تتشكّل التجربة الثقافية في الفجيرة عبر منح الفن والفكر مساحة فعلية للحضور في المجال العام، باعتبارهما أدوات لتوسيع الوعي، لا مجرد أنشطة موازية.. فالثقافة هنا ترافق الإنسان في تشكّل وعيه الذاتي، وتساعده على قراءة الزمن بوصفه خبرة معيشة، لا مجرد تعاقب أحداث.. وفي هذا السياق، يصبح الإبداع وسيطًا بين الفرد والعالم، وطريقة لفهم التحوّلات، وبناء معنى شخصي وجماعي في آن.. ربما هكذا تتقدّم الثقافة كقوة هادئة، تعمل في العمق، وتعيد وصل الإنسان بأسئلته الكبرى، وبحقه في التأمل والاختلاف والبحث الدائم عن أفق أرحب..
وهنا، يتجلّى دعم صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي للثقافة والفنون والإعلام بوصفه خيارًا حضاريًا يُنصت إلى الإنسان، ويضع المعنى في قلب مشروع التنمية.. فهذا الدعم ينبع من تصور يرى في الثقافة طاقة مُشكِّلة للوعي، وفي الفن وعاءً حيًا للذاكرة الجماعية، وفي الإعلام فضاءً لتداول الأفكار والقيم الجمالية. وضمن هذا التصور، تنمو بيئة ثقافية تُشجّع التعبير الحر، وتحتفي بتعدّد الأصوات، وتمنح الإبداع مكانته كقوة رمزية تُسهم في ترسيخ التماسك الاجتماعي، وفي تعزيز الإحساس بالمصير المشترك.
هذا الأفق إذن يفتح أمام الفنان والمثقف مجالًا واسعًا للحضور والمشاركة، ويُنتج مناخًا يشعر فيه المبدع بأن صوته جزء من المجال العام. فالإبداع يتحرك هنا في مناخ من الثقة المتبادلة، ويتحوّل إلى حوار متواصل مع المجتمع، حيث تتقاطع التجربة الفردية مع الأسئلة الجماعية، وتتخذ الهواجس الإنسانية أشكالًا جمالية ومعرفية قادرة على ملامسة الوجدان، واستدعاء التفكير، وتوسيع دائرة التأمل.
كما يضيف دور سمو الشيخ محمد بن حمد بن محمد الشرقي بُعدًا مستقبليًا واضح المعالم لهذا المسار، من خلال رعاية مبادرات ثقافية تراهن على الإنسان بوصفه محورًا للتنمية، مع اهتمام خاص بالشباب، حيث تتشكّل هذه المبادرات كمسارات للتعلّم والنمو، ويكتسب فيها الفرد أدوات التعبير، ويصقل حسّه النقدي، ويعيد بناء علاقته بالمعرفة في زمن متحوّل. في هذا السياق، تغدو الثقافة مدرسة مفتوحة، ترافق الإنسان في تطوّره، وتمنحه قدرة أعمق على الفهم والتفاعل وصناعة المعنى.
وفي قلب هذا الحراك أيضا، تتقدّم هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام بوصفها منظومة تجمع بين حسن التنظيم ووضوح الرؤية، إذ يتشكّل عملها على إيقاع توازن مرهف بين الخصوصية المحلية والأفق الإنساني الواسع، حيث تنطلق البرامج الثقافية من روح المكان، ثم تنفتح على العالم في حركة تبادل وحوار. والتراث هنا يُعاد تقديمه كمادة حيّة، قابلة للتأويل والتفاعل، فيتحوّل إلى جسر يصل الماضي بالحاضر، ويمنح المشهد الثقافي عمقًا يجعل الفجيرة فضاءً يلتقي فيه الإبداع بالتفكير، والفن بالتأمل.
أما بخصوص المهرجانات والملتقيات الثقافية فتتخذ شكل تجارب إنسانية نابضة بالحياة. مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، على سبيل المثال، يضع الإنسان في قلب الفعل المسرحي، ويجعل الخشبة مساحة مواجهة هادئة مع الذات ومع الأسئلة الوجودية الكبرى. العرض المسرحي يتشكّل كلحظة تأمل جماعي، يدخل فيها الجمهور تجربة شعورية وفكرية متزامنة، حيث يتجاور الإحساس والفكرة، ويتفاعلان في صناعة معنى يتجاوز حدود العرض إلى أفق أوسع من الوعي.
أما الاهتمام بالطفل فيعكس تصورًا مبكرًا لبناء الإنسان من الداخل، انطلاقًا من الخيال والمعرفة. وعن معرض الفجيرة الدولي لكتاب الطفل فيقدّم القراءة كتجربة اكتشاف، ويحوّل الكتاب إلى فضاء للعب والتخيّل والتعلّم. إذ يعيش الطفل هذه التجربة بكامل حواسه، فتتكوّن علاقة حميمة مع المعرفة، وتترسّخ الثقافة كحبّ أول يرافقه في مسيرته، ويشكّل جزءًا من وعيه بالعالم.
وعن جائزة الفجيرة للتصوير الفوتوغرافي فتفتح مجالًا رحبًا للتعبير البصري، حيث تتحوّل الصورة إلى لغة تفكير وسرد. العدسة هنا تلتقط اللحظة وتعيد صياغتها كرؤية، فتمنح الواقع عمقًا إنسانيًا، وتكشف عن تفاصيل صغيرة تحمل دلالات واسعة. هذا الاهتمام بالفنون البصرية يعزّز حضور الصورة كأداة لفهم العالم، ووسيلة لتوثيق الذاكرة، وإعادة قراءة اليومي بعيون أكثر حساسية.
دون أن ننسى الأكاديميات والمدارس الفنية التي ترفد هذا المشهد عبر ربط الممارسة بالتفكير، في مسار تعليمي يقوم على التجربة والحوار بين النظرية والتطبيق. التعلّم الفني هنا يُنمّي الحس النقدي، ويصقل الموهبة، ويمنح المتعلّم وعيًا فنيًا ومعرفيًا يجعله قادرًا على التواصل مع تراثه ومع زمنه في آن واحد.
كذلك، الإعلام المحلي الذي يواكب هذا الحراك ويمنحه حضورًا يوميًا، من خلال تغطيات تُفسح المجال للتفاعل، وتحوّل الفعل الثقافي إلى جزء من الحياة العامة.. الثقافة تدخل البيوت، وتصبح موضوعًا للنقاش المشترك، فتتّسع دائرة المشاركة، ويتعزّز الوعي الجماعي بوصف الثقافة شأنًا مشتركًا لا نشاطًا معزولًا.
أما المبادرات المحلية والجمعيات الثقافية، فتضيف بعدًا اجتماعيًا حيًا، حيث تتحوّل المشاركة إلى تجربة انتماء وتمكين. الفعاليات تُبنى بالعلاقات، وتُغذّى بروح التعاون، في مسار يجعل المجتمع شريكًا فاعلًا في صناعة الثقافة. الفن، في هذا السياق، يصبح وسيلة للتقارب، ولإعادة اكتشاف الذات عبر الآخر، ولتعميق الإحساس بالعيش المشترك.
بهذا التراكم الهادئ، تتشكّل الفجيرة كتجربة إنسانية متكاملة، تتداخل فيها الثقافة مع مسار الحياة اليومية، وتغدو فعلًا مستمرًا يُنَمّي الوعي، ويهذّب الحس، ويُوسّع أفق الجمال. الثقافة هنا تعيش في التفاصيل الصغيرة، في طرائق التعبير، وفي العلاقة التي يبنيها الإنسان مع ذاته ومع محيطه، فتتحول إلى ممارسة واعية، وإلى أسلوب عيش يرافق الفرد في نموّه وتحوّله.
هذه التجربة تُبرز كيف يمكن لدعم الثقافة، حين يصدر عن رؤية إنسانية عميقة، أن يُنتج مجتمعًا أكثر انسجامًا مع ذاته، وأكثر انفتاحًا على الإبداع، وأكثر قدرة على بناء علاقة حيّة مع المعنى. في هذا السياق، لا تُقاس الثقافة بحجم الفعاليات وحدها، بل بما تتركه من أثر طويل المدى في الوعي الجماعي، وبما تفتحه من إمكانات للتأمل، والحوار، وصناعة أفق إنساني أرحب.
Arabic (اللغة العربية)
English (United Kingdom)

